إطلالة على شعر إسوياس

189

إطلالة على شعر إسوياس...

كثيرة هي الإشكالات المرتبطة بالشعر الامازيغي المكتوب منه والشفوي المرتجل.. التي تستحق اكثر من وقفة تأمل و تفرض على المهتمين بقضايا الشعر الأمازيغي إيلاءها أقصى ما يمكن من اهتمام .

ولطالما كنا نخاف على شعرنا من المتطفلين ادعياء الحداثة ومن حقنا ذلك. ولكن لم نكن نتصور ان يأتي يوم يصبح فيه شعرنا مهددا ممن نحسبهم حراسا لحياضه منافحين عن ثغوره محافظين على أصوله. وصدق من قال: من يصلح الملح إذا الملح فسد ؟

وحتى لا أطيل في هذا التقديم أوجه عناية القارىء إلى النظر فيما سأعرضه من هفوات عروضية في حوار شعري من حوارات اسايس ..او بالأحرى : في مقطع من حوار دار بين شاعرين محسوبين على ريادة شعر اسايس : عابد اوطاطا  و مولاي الغالي. إلى جانب شاعر مبتدىء ظهر مؤخرا و إن كان الفرق بينه وبين ذينك الشاعرين ضئيلا لا يكاد يذكر إذ لم يرتكب من الأخطاء العروضية قدر ما ارتكباه: إنه ابراهيم كونو…

هذا المقطع من الحوار الشعري بين عابد و كونو والغالي… بادر فيه عابد إلى اقتراح الوزن  الذي  سيكون على المتحاورين احترامه والملاحظ ان كلا من الغالي وكونو وعابد كانت لهم هنات وهفوات عروضية  في تعاملهم مع هذا الوزن إلا ان عابد ” صاحب الأقتراح” كان اكثرهم خروجا عن الوزن لأنه لم يفلح في ضبطه ولم  تمكنه ذائقته ولا إحساسه الموسيقي من التمييز بين وزن احوزي  و شبيهه القريب منه والمختلف عنه اختلافا لا يدركه إلا المهرة من الشعراء ذوي الحس الإيقاعي المرهف والذوق الموسيقي الدقيق. 

ورغم أن في الحوار ما يقال من الناحية الأسلوبية والتركيبية من ركاكة في التعبير ومن سطحية ومباشرة في الدلالة و المعنى الشعري إلا اننا سنقتصر على المزالق العروضية التي لا يتوقع أن يسقط فيها من يعدهم الناس روادا للشعر الأمازيغي الإرتجالي.

على أن نخصص مقالة أخرى للإشارة إلى ما اعترى الحوار المذكور من هفوات تعبيرية و أسلوبية….

وحتى نضع القارىء الكريم في الصورة لابد ان نذكر وزن شبيه احوزي مع الإشارة إلى الفرق الواضح بينه  وبين احوزي الحقيقي : فتفعيلة شبيه احوزي كالآتي:  لا لاي لا لا لا لاي لا لا لا دالال. 

اما تفعيلة احوزي فهي كالآتي : 

لا لا لاي لا لا لاداي لالا لا لا لال.

والأبيات الاولى التي افتتح بها  الشاعر عابد الحوار يظهر انها احترمت الوزن نسبيا على ما فيها من مقال من الناحية الاسلوبية: 

ابارك الله ايا لفرح د ماد ئيوين .

نيوي رجا س تميزار ن لموحبين نخ .

ؤر اخ نيت ئهول ئغ ياكوك ؤغاراس.

ؤر ئرخي لقول أت نيت ئزنجم يان.

إلا ان عابد لم يلبث أن تنكرللوزن المذكور دون أن يفطن لذلك فقال في موضع من الحوار: 

براهيم ئكلين ئكسوض[  س]  ئضوضان نس .

تاسا ئغا تركيكي ار [ تمراتنت].

ففي هذين البيتين يتضح ان عابد لا يمتلك اذنا موسيقية تمج النشاز و تستهجنه… فرغم ان البيت الأول يمكن أن يستساغ للضرورة الشعرية التي ارغمت ” الشاعر” أن يزيد حرف السين (…س ئضوضان نس..) ليتم المعنى و تتضح الدلالة.. فإن البيت الثاني فيه خروج عن الوزن بإسقاط “وتد” التفعيلة و هذا يعد مستقبحا عند كل من لديه إلمام – ولو بالذوق والسجية-  بأوزان الشعر الأمازيغي… وتعظم فداحة هذا الخطإ كلما علت منزلة  الشاعر وطالت تجربته و كثرت مساجلاته و مقارعاته  و عرف عنه اعتداده بنفسه .

وفي موضع آخر يقول ” الشاعر” عابد :

لابود و لابود اييلي تحاليل.

كولو ما ؤر ئكسن إدامن ئعوول فلاس .

فهنا يسقط عابد مرة اخرى سقطة مؤلمة حينما جرح البيت الاول بحرمانه من الوتد.. وحينما اصر على الاستغناء عن الوتد في البيت الثاني. 

ففي الاول نجد المقطع الأخير لا يشتمل على اي حرف مجهور كوتد محدد لشخصية الوزن (… اييلي التحاليل …!!!! ) .

وفي البيت الثاني تتكرر الصورة و يعاد نفس الخطإ : ( …ئعوول فلاس…) .

ولتقريب المسألة من أفهام من لا دراية له بأوزان الشعر الأمازيغي أعطيكم مثالا .. قال مولاي في احد الابيات من هذا الحوار: 

إسنت مامي توهامخ اريي برين…

فهل يستقيم في ذوقك ايها القارىء ان يقول الغالي:

إسنت مامي توهامخ اريي سالان..؟

طبعا لا يستقيم لأن المقطع ماقبل الاخير خال من الحرف المجهور في النموذج الثاني: …أريي ( س)الان …. فالسين حرف مهموس يفتقر إلى النبرة القوية التي يمتلكها حرف الباء في النموذج الأول : …اريي (ب) رين…

و مادام رواد اسايس يقترفون الأخطاء العروضية بهذا الشكل فإن عافية شعرنا الأمازيغي في خطر ..لأن الجمهور المتلقي سوف يطبع مع هذه الهفوات مع مرور الوقت ..وقد ينشأ لدينا جيل من أشباه الشعراء لا يمتلكون حسا موسيقيا يجعلهم يميزون الكلام الموزون من غيره.

 وقبل الختام اعود إلى هفوات ” الشاعر” عابد العروضية … وهذا بالطبع لا يعني ان  شعر مولاي الغالي و ابراهيم كونو سليم عروضيا و لكن لأن عابد يعد لدى البعض رمزا من رموز أسايس  …

يقول عابد في موضع آخر من الحوار :

مارا دا تسنتلت مارا كا تينيت.

اسكاس د مناص أكورن اينكي واسيف..

ولن أعيد شرح الخطإ الذي وقع فيه شاعرنا لأن في ما بسطناه آنفا كفاية .

وبعد :  فإن مأساة شعرنا الأمازيغي لا تنحصر في أخطاء العروض لدى بعض الرواد بل  تتعدى ذلك إلى ضحالة المستوى التعبيري و هذا يالضبط ما سنحاول التركيز عليه في حلقة مقبلة نتناول فيها نفس الحوار مركزين على الجانب الاسلوبي .

بقلم :  ذ .عبدالرحمان وادالرحمة

عبد الرحمان واد الرحمةمؤلف

Avatar for عبد الرحمان واد الرحمة

من مواليد 1969 بمدشر أكَادير لهنا بمدينة طاطا، يشتغل أستاذا بثانوية علال بن عبد الله ب طاطا. أسّس جمعية "أسافو للمسرح والموسيقى" في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك مجموعة طاطاماركَ الموسيقية. اهتم بكتابة الشعر الأمازيغي منذ أواسط الثمانينات. شارك في ديوان ثلاثي "تاجا ن ئكَزار"، وفي ديوان جماعي "أوال ئدران"، وله ديوان فردي تحت الطّبع. تغنى بأشعاره مجموعة من الفنانين: مجموعة طاطاماركَ، الفنان حسن الوردي، مجموعة ئزماون، مجموعة لرباح ن سوس، مجموعة أجيال سوس، الفنان كَرابي عبد المجيد، عبد العالي ئزنكاض...وآخرون

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *