تغيّرات العروض:
تدخل على العروض السّوسي تغيرات عديدة على مستوى بعض الأوزان دون غيرها. هذه التغيرات لا تمسّ بموسيقية الوزن بشكل يخرجنا من صيغته، فهي بمثابة العلل التي تدخل على بعض الأبيات دون أن نكون أمام وزن جديد، وقد دأب الشعراء المتمرسون على استعمالها واستثمارها بشكل تلقائي وسليقي، دون إدراك كنهها، بل دون إدراك ورودها أصلا. هذا لأن هؤلاء الشعراء المبدعون يعتمدون موسيقى الشعر في بنائه والإبداع فيه، هذه الموسيقى التي استقرّت في أذهانهم ونفوسهم، فلا يحتاجون إلى تقطيع عروضي أو عدّ للأصوات أو غيرها من تقنيات دراسة الأوزان، بل يرتجلون في قوالب شعرية ترسخت بالموهبة والدربة والأذن الموسيقية. ولما لا تمس هذه التغيرات إيقاع الوزن وموسيقاه فقد اعتُبرت من صميمه وجوهره.
وهذه التغيرات نوعية إذ أن كل تغير لا يمس إلّا أوزانا معينة دون غيرها. وهي نوعان: الحذف والإشباع.
1. الحذف:
هذا النوع من التّغيرات لا يدخل إلّا على الأوزان التي تبتدأ صيغها بمقطعين خفيفين فأكثر أو الأوزان المشبعة قبليا (أنظر الإشباع القبلي). ويكون ذلك بحذف مقطع خفيف واحد في أوّل الوزن.
وهذه أمثلة لبعض الأوزان التي تقبل هذا الحذف:
وزن بوسالم La la lay la la la la la la lay da layl
كما في بيت لعلي شوهاد يقول فيه:
giɣ i lhmm asnfu imyar aɣd ittats
فلا يعيب هذا البيت حذف المقطع الأول من صيغة الوزن، وقد يُضاف إليه حرف”a” للتنبه، فيكون البيت في صيغة الوزن بغير حذف.
A giɣ i lhmm asnfu imyar aɣd ittats
وزن أجماك la la lay la lay la da lay la layl
من شعر براهيم أبلفاع:
a” yan ugḍiḍ igabl turtit”
ini tn shussiɣ middn rayi faqqn
a” tini tn ujjiɣ aḍil art ittakwr”
a” yan isɣan urti bu ṣṣur yattuyn”
ur akkw iḥtajja ifrg ula iꜪssasn
في هذه الأبيات يمكن الاستغناء عن حرف”a” المضاف للتنبيه، دون أن يمس ذلك بوزنها.
وهذا الأمر يسري على الأوزان التي تبتدأ بمقطعين خفيفين على الأقل، وكذلك على الأوزان المشبعة بمقطع خفيف في أولها، وهذا أمر منطقي، إذ أنه بحذف المقطع المضاف للإشباع في أول الوزن، نكون قد رجعنا إلى صيغة الوزن الأصلي، وسيتّضح هذا بعد مراجعة فقرة الإشباع القبلي.
2. الإشباع:
الإشباع في الشعر السوسي نوعان؛ إمّا أن يكون قبليا أو بعديا، فالقبلي إضافة مقطع خفيف في أوّل الوزن، والبعدي إضافة في المقطع الأخير من الوزن.
2.1 الإشباع القبلي (أسمّود أمزوارو):
وتقبله كلّ الأوزان التي يكون فيها المقطع الثقيل “lay” في الموضع الأول أو الثاني من صيغة الوزن، أ ي أن يبدأ الوزن ب lay أو la lay.
ونعرض بعض الأمثلة لأوزان معروفة، نبدأها بوزن سيدي حمّو والذي تبتدأ صيغته ب lay:
Lay la la la la la la lay la lay da lal
iṛḥmk a sidi ḥmmu bab n umarg nnan
illa uzmz ɣ yakka yakka yan illa uzmz ann ɣ iqqay
lla uzmz ɣ yuf umddakkwl n gwmatun
ad-ikm ur iluḥ ṛbbi a ššahwa nu f ginnus
…iɣt usiɣ iga ginnus iɣt nsrs ginnus
الأبيات 2، 3، 4، مزيدة في أوّلها بمقطع خفيف وضعناه بين قوسين للتوضيح. فلا يغير ذلك من إيقاع وزن سيدي حمّو.
مثال ثان: الوزن الثامن والعشرون (أمرزو ن dayl) ، وصيغته:
lay la la la lay la lay la la lad
من شعر محمد أوموراك:
yan wass mšawaṛɣ n’nna a nng aṣyyaḍ
a siɣd aburi d ṛṛṣaṣ ngtn ɣ jjnb
nluḥ tiṭṭ inu f lxla ḍufɣ iznkwaḍ
ula udadn yan igwmrn a ur ittzrab
هنا أيضا زيدت الأبيات الثلاثة الأخيرة بمقطع خفيف في أولها.
وهذا الضّرب من الإشباع مشهور وكثير في الأشعار الأمازيغية، تكاد لا تخلو منه القصائد المنظومة في الأوزان التي تقبله.
2.2 الإشباع البعدي (أسمّود أمڭّارو):
وهذا الضّرب من الإشباع نلاحظه في مجموعتين من الأوزان: الأولى هي التي تنتهي صيغها بمقطع ثقيل مركب (layl أو dayl)، شرط أن يُسبق هذا المقطع بمقطعين خفيفين أو أكثر. والمجموعة الثانية هي الأوزان التي تنتهي صيغها بالمقطع الوتدي lad.
ويكون هذا الإشباع البعدي بإضافة نواة أو نواة وذيل للمقطع الأخير وتفكيكه إثر ذلك إلى مقطعين منفصلين. وبذلك تنتهي صيغ الأوزان ذات المقطع الثقيل المركب (layl أو dayl) ب: lay la أو lay lal ثم day la أو day lal، بينما تنتهي الأوزان ذات المقطع الوتدي lad ب: la da أو la dal.
ولا بدّ أن نشير إلى أنّ النواة “a” المضافة قد تكون أي حرف يلعب دور النواة، أمّا “al” فهو النصف الأخير من مقطع صوتي ثقيل.
1.2.2. إشباع الأوزان ذات المقطع المركّب (layl أو dayl):
تقبل هذه الأوزان إشباعا بعديا تامّا ب “al” أو غير تام ب “a”، شرط أن يكون المقطع المركّب مسبوقا بمقطعين خفيفين أو أكثر، أي أن يكون آخر صيغة الوزن بإحدى هذه التوليفات الأربعة:
“La la layl”, “la da layl”, “da la layl”, “la la dayl”
وهكذا يكون الإشباع غير التّام بإضافة نواة في آخر البيت، فيتحول المقطع المركّب إلى مقطعين، ثقيل و خفيف: layl + a = lay la
فينتهي بذلك البيت بمقطع خفيف على غير المألوف في العروض السّوسي، بينما يكون الإشباع التّام بإضافة “al” إلى المقطع الأخير المركّب فيتحوّل إلى مقطعين ثقيلين:
Layl + al = lay lal و dayl + al = day lal
وهذه هي الحالة الوحيدة التي يقبل فيها العروض الأمازيغي توارد مقطعين ثقيلين متتاليين.
وأمّا الأوزان التي تنتهي بهذين المقطعين الثقيلين المركّبين، ولم تستوف شروط هذا الإشباع فلا يدخل عليها أي تغيير من هذا القبيل والإضافة فيها علّة مُخلّة. ومثالها وزنا “أجماك” و “بوسالم”، فهما وإن كانا ينتهيان ب ” layl” إلّا أنّ المقطعين فيهما قبله ليسا خفيفين كليهما، وبذلك لا يقبلان هذا النوع من الإشباع.
أمثلة لبعض الأوزان التي تقبل الإشباع البعدي:
أمرزو نوجماك La la lay la lay la da layl
من شعر عبد الكبير شوهاد:
wa taṣṣumꜪit an n ngr y-itran
mani ɣ iɣwli w-abrid nnunt
وقد زيد في البيت الأول ذيل ونواة “an” لينتهي بمقطعين ثقيلين، فهو بذلك إشباع تام. وهذا تقطيع أصواته:
wa-ta-ssum-Ꜫi-tann-nn-gr-yit-ran
ولهذا الوزن مقلوبه (أمخلف) لا يختلف معه إلّا في المقطع الخامس الذي يُقلب خفيفا، وهو أيضا يقبل هذا الاشباع.
أمخلف نومرزو نوجماك La la lay la la la da layl
a lalla Ꜫziza tagrramt
ugwmɣ-amd aman azal iḥman
ويبين التقطيع العروضي أسفله إشباعا تاما في البيت الثاني، بينما بقي البيت الأول على حاله في الصيغة الأصلية للوزن.
a-la-llaꜪ-zi-za-ta-gwr-ramt
u-gwm-ɣam-da-ma-na-za-liḥ-man
ومن شعر علي شوهاد:
matta awa ɣkad nnk a bu tayri
ur akkw iṭṭif atig nnunt
a tarigt ar isiggil iysan
وفي هذه الأبيات يظهر الإشباع البعدي بنوعيه، فالبيت الأول مشبع إشباعا غير تام ب “i” في كلمة “tayri”، بينما البيت الأخير مشبع إشباعا تامّا بنواة وذيل.
ma-tta-waɣ-ka-dn-ka-bu-tay-ri
u-ra-kkwi-ṭṭi-fa-ti-gn-nunt
a-ta-rig-ta-ri-si-ggi-liy-san
2.2.2. إشباع الأوزان ذات المقطع الوتدي lad:
الأوزان ذات المقطع الوتدي lad تقبل إشباعا بعديا تامّا أو غير تام، فيتحوّل المقطع الأخير إلى مقطعين خفيفين ” la da ” أو إلى مقطع خفيف يليه مقطع ثقيل” la dal”.
وهذا مثال لهذه الأوزان:
أمرزو ن dayl:
la) lay la la la lay la lay la la lad)
وفيه شعر الحاج بلعيد في قصيدة بن يعقوب:
ayɣ ig ṛbbi laꜪwan ašku nḥtajjat
wanna iran ad as nfk awal s lmufid
lli igan ddwa n lahmum ula taguḍi
imma iɣa ittxmmim ɣ lqlb ira a yaḍn
ويبين تقطيع هذه الأبيات مواضع الإشباع، فنراه تامّا في البيت الأوّل، وغير تام في البيتين الثالث والرّابع.
ay-ɣi-gṛ-bbi-laꜪ-wa-naš-ku-nḥ-ta-jjat
wa-nnay-ra-na-da-snf-ka-wal-sl-mu-fid
lliy-ga-ndd-wa-llah-mu-mu-la-ta-gu-ḍi
i-mmay-ɣa-yt-xm-mam-ɣl-qql-bi-ra-yaḍ-n
وفي نفس الوزن شعر لِ محمد البصير وقد غنّته مجموعة أرشاش:
a ɛla rbbi a inwwašn ayyi tajjam
ya isawaln ɣ mddn ntta a ilan lɛib
urmɣk yad ur gik abla lxṛuḍ
a ɛla ṛbbi a lɛin ṛẓm i uggug
aṣɣaṛ igatt i tɣuyyit illa fad
igabl umḥsad igr inu mad issmɣay
uraɣ fln amud ur aɣ ifl ajddig.
ويظهر الإشباع التّامّ في البيتين الأول والسّادس، كما يبيّن ذلك تقطيعهما:
aꜪ-la-ṛb-bi-yay-nw-waš-na-yyi-tta-jjam
i-gab-lu-mḥ-sa-dig-ri-nu-ma-di-ssm-ɣay.
سيلاحظ الناظر المتفحّص أن هذه الإشباعات كلّها ليست ترفا، أو تغييرا من أجل التغيير فحسب، بل تأتي في مواضع يلزم فيها ذلك. ولا تحدث إلّا في أواخر البيت الشعري المنتهي بكلمات لا يمكن بترها فتفقد معناها، فلا يُفهم بذلك الكلام كلّه. ولا تأتي أيضا هذه التغيّرات إلّا بشروط تراعي موسيقية الوزن كما ذكرناه سابقا.
لا تعليق