المقال الثاني: دلالات وأدوار أسايس.
يشكل ” أسايس ” إحدى حلقات الفضاء العام في المغرب وامتداه الأفريقي، كما أنه ياقوتة عمرانه ببعده المدني والجمالي والقيمي معا، فأسايس ليس مجرد مكان عابر للفرجة والفن ببعده الإمتاعي فقط؛ بل هو منبر ذو أبعاد ومقاصد مركبة.
– أسايس هو ذلك الفضاء الذي يتوسط العمران – دوار، مدشر، قبيلة، مدينة..- مع المؤسسات المركزية كالمسجد والسوق وممارسة القضاء وغيرها. وهذا باد في المدن والمداشر التي احتفظت على العمران المغاربي الأصيل كمراكش وتارودانت وتزنيت وأكلو وإسافن وإبركاك وأكادير الهنا وتمنارت وإبركاك وغيرها..
– أسايس مرآة تعكس المستوى العمراني والثقافي والفني للإنسان، وهذا باد في موقعه الجغرافي حين يتوسط – مع المؤسسات الموجهة للعمران كما أشير لها – المدينة والمدشر، فذاك يحيل بدءا على موقع الصلاة وأوقاتها في الحياة اليومية، وإلى الموازنة الحكيمة بين العبادة/ الصلاة، وبين العمل/ فلاحة، كسب، عمل، سوق.. وبين الفن بأسايس؛ لذا جرت العادة أن تبرمج الأمور الفنية إما بين العصر والغروب، أو بعد العشاء غالبا، مع توقيفها منتصف الليل لأخذ الراحة رجاء استئناف الحركة مع صلاة الصبح. وتأمل سطوع نجم أسايس في مناطق الواحات وجبال تارودانت يبن لك مغزى هذا..
وقد لخص الشاعر الحكيم ” الحاج الحبيب من إميتك” هذه الفلسفة التي تعكس وسطية الإسلام وبساطة الحياة البدوية حين رد على من وصفه ب “رئيس الفرقة” قائلا: ” نكي الموذن أدكيح/ أنا مجرد مؤذن”
– أسايس مؤسسة للتربية على القيم والجمال والنظام والحِكم، وقد وعى أعلام أسايس بهذا فأكثروا من وصفه ب “المدرسة” واستعاروا له مصطلحات: ” الفقيه، أمحضار، الشيخ، الزاوية، أفران، تالوحت، لاسوار، تيكَوروين../ الشيخ والمريد، الفقيه والتلميذ، المتمرس الجهبيذ والمبتدئ المتمرن..”
– أسايس منبر لصناعة الوعي وتوجيه الرأي العام، ومن ممكنات ذلك: خاصية الاتجاه المعاكس، وإثارة قضايا الساعة محليا ووطنيا، بل وعالميا كذلك، وفق قدرة المتحاورين ومستوى وعيهم، ومدى قدرتم على تقريب الموضوع بلغة الشعر وإمكانية النظم بطريقة جدلية عكسية. لكن هذا البعد أوشك أن يتلاشى، اللهم إلا عند فئة معينة كأجماع وأزوليض، بعد أن كانت الغالبة على شعر: علي بيضني وسي بورح بوزنير وإبراهيم أعلي وعثمان أبلعيد والحاج لحبيب وغيرهم رحم الله من مضى وبارك في من بقي.
وصار نظم أسايس وذاكرة أعلامه “شاهدا على العصر”، بتوثيقه أحداثا كاحتلال فرنسا وإسبانيا للمغرب، ومعارك المقاومة المغربية كمعركة آيت عبلا، وأحداث الاستقلال والمسيرة الخضراء، واحتلال العراق والقدس، وأحداث الانتخابات والرياضة والفن والرياضة وغيرها. ومن المثير أن بعض أعلام أسايس له ذاكرة قوية في تسجيل تلك الأحداث وما دار فيها من محاورات شعرية، أمثل هنا بالحاج علي بيضني وسي بورح وإبراهيم أعلي رحمهم الله، وكذا الحاج لحبيب والحاج مبارك كوكو بارك الله فيهما وعفا عنا وعنهما. وبالشبكة فيديوهات توثق ذلك.
– أسايس نافذة مشرعة على الفن الأصيل إمتاعا ومؤانسة، فكثيرا ما حرص أهله على ممارسة ” أفران/ النقد” لنظمهم ونظم غيرهم، وكانت الجودة والسبك المتقن هاجسهم، لكنه الآن طغت الكثرة وعقدة الرد؛ على مقومات الفن الأصيل.. وستأتي مناقشة هذه القضية في المقومات الفنية للشعر والنظم.
– أسايس مائدة لتصقيل المواهب وتنمية الذوق السليم وصون اللسان، ومما يعزز هذا أن المناطق التي يشكل أسايس إحدى زوايا وجودها ومصدر استنشاقها عبير الحياة خاصة طاطا وتارودانت؛ يتميز أهلها بهذه القيم (كالفراسة، والشجاعة، واللسان الأمازيغي السليم، وحضور المجاز في تعبيرها وتصويرها للأحداث، واستحواذ الحكم والأمثال شعرا ونثرا في لسانها..)
– أما زال أسايس يؤدي هذه الأدوار؟ أما زال أسايس يمتلك سلطته التوجيهية؟ أم لم تبق له إلا “الفرجة” والإمتاع العابر؟ هذه أسئلة مؤلمة ومخيفة؛ أجوبتها تتطلب نفسا وإزعاجا مشتركا.. فهي بذلك أكبر مني، وليست مقصود سلسلتنا هذه، مع الإشارة لكون بعض ما سيأتي ذكره يتضمن إشارات لها.
وسيخصص المقال التالي لهذا السؤال: ما موقع وتأثير فضاء وسائل التواصل والتكنولوجيا على فضاء أسايس؟
علنا نمهد لقصدنا وهو موقع الحكمة من أسايس.
وإذ نوجه للقراء الكرام متابعتهم وتشجيهم ضمن نافذة “أسكَيل”؛ المُشْرَعة على أسئلة الشعر والفن الأمازيغي الأصيل؛ أوجه من خلال القراء الكرام تحية شكر ودعاء بالتوفيق والسداد لمدير مدونة أسكيل الشاعر الباحث “داوود السوسي”، ولأعلام أسايس وكل من يبذل الجهد باحثا ومحبا لعبير وورود الحكمة والشعر الأصيل.
حسن اهضار
لا تعليق