رقية تالبنسيرت..أصالة الصّوت!
بمسيرة فنية تمتد لخمسة عقود ونيف تظل الفنانة رقية تلبنسيرت شامخة في تاريخ ترويسا ، فقد ولجت الميدان الفني في اواسط ستينيات القرن الماضي لتبدأ مشوار التسجيل عام 1968 ، اذ أعادت تسجيل أغنية ( الطاكسي غ ءيلا الراديو بوه اوكان) بتشجيع من عميد الأغنية الامازيغية المرحوم البنسير ليتوالى الانتاج والحضور في مجال ترويسا بكل شموخ .
رقية شوال المزدادة في نهاية اربعينيات القرن وبالضبط سنة 1948ببلدة اديغيس زاوية تامرورت إحدي قرى قبائل البنسيرن بشيشاوة .
رقية تلبنسيرت استهواها الفن فانخرطت في أحواش البلدة كغيرها من نساء القرية كمتنفس للتخفيف من صعاب الحياة وأتعابها التي لاتنتهي إذ المرأة في القرية كائن متعدد الوظائف . وطبيعي جدا أن تكون مناسبات أحواش ملجأ للتفريغ والتفريج عن النفس ، ومداواة جراح القساوة والحرمان ولو للحظة عابرة .
وفي سن المراهقة رمى بها القدر بالبيضاء هروبا من ويلات وجحيم حياة قاسية زاد من تعاستها رحيل والدتها، فكان قرار الفرار حلا لمنع زواج قسري في سن الصغر – جريا على عادات أهل القرية وكل القبائل الامازيغية- ونفخ الروح في حياة جديدة بعيدا عن مسقط الرأس والعائلة .
محطة الجديدة في حياتها ستشكل بداية مسار فتاة قادمة من البلدة طلبا للنجدة من ظلم التقاليد. في مدينة الدار البيضاء ستحتضنها مدرسة “أيت بندريس” ومنها تعلمت ابجديات فن ترويسا لترسم اولى خطواتها في الميدان الفني الامازيغي الذي ظل حكرا على الرجال لسنوات طوال ، فتاريخ ترويسا الطويل لايحتفظ الا بعدد ضئيل جدا من فنانات قبل قدوم رقية، فوجود المرأة يومئذ كان طابوها لأن التقاليد رسمت للمراة مسارا واحدا وخانقا الاوهو العيش في حضن العائلة إلى بلوغ سن الزواج ، اما الخروج إلى العمل فداك من الممنوعات والمحرمات . في هذا السياق خرجت رقية ومن قبلها أخريات لرفع التحدي أمام تعنت المجتمع وجحوده .
وهكذا سيولد اسم فني بجنس المؤنت منتقلا بين مدارس كبرى في فن ترويسا ، فبعد تجربتها الغنية مع المرحوم عبدالله بن ادريس ستنتقل إلى مدرسة المرحوم سعيد اشتوك في بداية سبعينيات القرن الماضي حيث ستفرض اسمها كفنانة دائعة الصيت في كل ربوع المغرب ، في فترة عرفت بوجود أسماء لامعة في مجال ترويسا،امثال البنسير ، سعيد اشتوك، واهروش ،امنتاك ، المهدي ،.. لتشق طريقها بكل ثبات وحزم واسرار لتؤسس فرقتها منذ اواخر السبعينيات حيث تخرج منها العديد من الفنانين نذكر منهم بوميا، اوالطالب ، اعراب أتيكي واخرون ..وظلت الفنانة رقية تلبنسيرت وفية لنمط ترويسا في صورها التقليدية أذ خلفت انتاجا ضخما -غطى كل الأغراض المعروفة -أثرى خزانة الريبيرطوار الفن الأصيل ، وسيبقى اسمها منقوشا في ذاكرة في ترويسا وتاريخها .
ولما عنونا المقالة برقية تلبنسيرت .. اصالة الصوت ،فذلك نابع من كون صوتها الذي لم يتاثر بتقلبات الزمان ومؤثرات عملية التسجيل والتقدم في العمر اذ ظل الصوت هو هو سواء في الاستوديو أو في اسايس .. رقية حباها الله بصوت طروب أخاذ ينغرس في الأعماق ويدغدغ العواطف الجياشة ، فيرحل بالنفس العاشقة إلى الجمال الفني في ابهى حلله.

لا تعليق