فن لهضرت بأيت صواب.
يسمى الفن الجماعي الذي تمارسه المرأة الصوابية ب ” الهضرت”، وهو من روافد فن أجماك الذكوري، وفرع منه بصيغة المؤنث، ولا يستبعد أن تكون ” تامسوست” ضمن مكونات حصة أجماك هي أصل ” الهضرت” لدى النساء.
وفن ” الهضرت” وإن كانت التسمية تدل على شيء ثانوي، تمارسه النساء فقط، في صفين قد يصل عدد النساء في الصف الوحيد أكثر من عشرة نساء، متقابلين ، يتوسطهن رايس ن تالونت، ويتتم الدائرة أصحابه ” ءيگانزيون” الدفوف.
وتحضر ” الهضرت” كنمط غنائي نسائي بإمتياز في جميع مناسبات الفرح العائلية والجماعية بقبائل أيت صواب، بل تعد ليلة بفن ” الهضرت” دليل الفرح ، وشهادة جماعية فنية بالفرحة والسرور، واتمام طقوس المناسبة، ومن مميزات المناسبة التي استوفت كل الشروط الكمالية للفرح والسرور.
وفي كل مدشر أو دوار بأيت صواب، نساء رائدات في فن ” الهضرت” شاعرات ومرددات ، ينشطن السهرات الليلية لهذا الفن عند الضرورة وبشكل تطوعي وحبا في هذا الفن.
ويدخل فن ” الهضرت” ضمن الفن الجماعي النسائي التطوعي، عبر عادات تيويزي، بحيث أن كل النساء العارفات والمتمكنات وكذا الراغبات في المعرفة ، والشغوفات بإمتلاك وتملك هذا الفن يشاركن في ” الهضرت” أثناء حفلات الدوار العائلية والجماعية.
كما يتم تنشيط حفلات الهضرت خارج الدوار في مناسبات الأعراس، بالخصوص ، خاصة إذا تعلق الأمر بزواج الفتاة خارج الدوار، فمن الواجب على الفتيات والنساء الدوار التضامن مع العروسة فنيا كذلك، وتنشيط حفلها العائلي حبا فيها ورد للجميل ، ورفعا لمستوى ومكانة العائلة.
وتتم الهضرت عبر مرحلتين ، البداية بترديد أبيات شعرية إما من إبداع الشاعرات في حالة حضورهن ، أو إعادة أبيات شعرية لروايس، أو لأشعار قديمة، قبل أن يدخل أصحاب الدفوف برئاسة ” بوتالونت” ويرتفع الإيقاع للوصول إلى حركات بالأرجل واليدين ، إلى الأمام وإلى الخلف، وعلى شكل دائري ، وتنتهي بإيقاع سريع، يسمى ” تامسوست” .
ويتم غطاء كل جهة بليزار ، وترتدي النساء المشاركات الملابس التقليدية والحلي وبلاغ الحرير ، ولا يكشف عن وجوههن ، ولا يتم النداء عليهن بأسمائهن ، حفاظا على سمعتهن من أية ردة فعل، لأن المشاركات قد يكن ربات بيوت، أو فتيات غير متزوجات ، أو غريبات عن الدوار، ولذلك يبقى من الواجب تجنب أي تشهير للمشاركات حفظا للعرض والسمعة الطيبة.
ورغم ممارسة هذا الفن من طرف النساء، وتجدره عبر القرون بهذه المنطقة ، ووجود فئة عريضة من هواة ومحبيه، إلا أنه يواجه معارضة مجتمعية وإن كانت غير مؤثرة بشكل كبير، بحيث يتم إعتبار ” الهضرت” ثانوية، وفضاء للإختلاط، ومساحة لإبليس ، وهذا ما كان وراء فشل هذا الفن في تجاوز المحلي إلى ولوج الفضاء العمومي والقاعات ودخول إلى الإحتراف ومجال لإثبات الموهبة وصقلها وفن قائم بذاته.
ولم تفلح إلى الآن كل المحاولات الرامية إلى إخراج فن ” الهضرت” ن تمغارين بأيت صواب إلى الوجود عبر فرقة نسائية محترفة، تشارك في المهرجانات الوطنية والدولية وترفع شعار التعريف بهذا التراث أمام معارضة شديدة من طرف الأفراد والجماعات يرون في ذلك الإنتقاص من سمعة المنطقة ، واستغلال النساء، والإساءة إليها ، واعتبار الممارسات لهذا الفن بشكل رسمي ومنظم منحرفات وخارجات عن السياق المألوف وربما عاصيات في نظر المجتمع وربما حتى لدى عائلتهن.
وتراجع فن ” الهضرت” ن تمغارين بأيت صواب بسبب الهجرة نحو المدن، ووفاة رائدات هذا الفن في أغلب الدواووير، وتوغل بعض الأفكار المتشددة الدينية إلى القرى ، تحرم الفن عموما وفي صفوف النساء بالخصوص، وعدم تمكن الأجيال الصاعدة من هذا الفن، وتراجع كبير في تنظيم والقيام بالمناسبات العائلية والجماعية، والخوف من التصوير في ظل زمن الرقمنة والإنترنت.
إضافة إلى غياب المبادرات الجمعوية لإحياء هذا التراث وتثمينه والتعريف به، والإشتغال عليه من أجل المحافظة عليه، وتوريثه للأجيال الصاعدة.
وعند العودة إلى أرشيف بعض التسجيلات الصامدة أمام الظروف لسهرات مناسبات عائلية ( الأعراس ، السبوع، العودة من السفر) وجماعية (المواسيم الدينية، الأعياد الدينية ، المناسبات الوطنية ، ءيدرنان، أسيفض ، وغيرها) يتم كشف تراث لا مادي عظيم، يجمع بين الكلمة الموزونة والدالة والقوية، وبين إيقاع يعد فنا أكثر من روعة، وتجاوب جماهيري يحدث صدى كبير في النفوس ، ويمحي وينهي الصراعات ويعالج النفوس ، ويخلق الإثارة والتشويق ، ويؤسس لمجتمع متضامن ، متأزر يؤمن بالاختلاف والعيش المشترك بين كل مكوناته.
إننا اليوم أمام تحدي كبير، يتحتم علينا إعادة النظر في علاقتنا بفن الهضرت ن تمغارين الذي يعيش أزمة الوجود والبقاء ، ويتطلب منا الأمر والواقع الغير مرضي لهذا الفن ، التفكير السريع قبل فوات الآوان في أساليب جديدة ومعاصرة من أجل المحافظة على فن الهضرت ن تمغارين وتثمينه والتعريف به وإدراجه ضمن الأساسيات في جميع المناسبات والأنشطة الجمعوية والنضالية بأيت صواب، كما لا يقل أهمية الإشتغال عليه في مجال البحث الجامعي من أجل ارساء الأسس والتسويق له والبنش في أسراره الخفية.
إنها مسؤولية الجميع في إطار حفظ وصون الذاكرة الجماعية وضمان استمراريته ولو في تأقلم مع مستجدات العصر.
الحسن بنضاوش.
لا تعليق