قصيدة أرفاک: حبر من دم  على جلد غزال مسفوح الدم

30

قصيدة أرفاک: حبر من دم على جلد غزال مسفوح الدم للشاعر عبد الرحمان واد الرحمة

رابط قصيدة “أرفّاك”

يريد الشاعر أن يرتحل في شعاب التاريخ كما يرتحل المؤرخ في شعبه. يختار للرفقة شخصية توارت أو بدأت تتوارى خلف حجب الماضي شخصية الرحالة الجمال. الأخباري التاجر. الحكواتي العابر. الجغرافي الخرائطي. المخالط المختلط. يوم كانت القوافل والطرق التجارية عصب الاقتصاد. هل سجل هؤلاء الأخباريون الأراخون تاريخنا أم كانوا مجرد جمالين متنقلين بين أسواق الجملة.  ألم تكن حكاياتهم أنسا ولهوا يكبر مع الرساميل والارباح ويندثر مع الخسارات والانكسارات. ذلك وهم يجوبون أميالا لا يعرفون شيئا عما ينتظرها او ينتظر بنيها. إن الجمال هو من يدعو شاعرنا إلى الرحلة والاكتشاف. في الطريق إلى تامدولت لابد أن من تصادفهم تجار قادمون إلى مركز تجاري ضخم وغامض. مدينة تامدولت ن واقا الغامضة. في الطريق إلى تامدولت لابد أن من تلتقيه مؤرخ يخفي مباحثه بهتافات المتاجرين. إنه أخباري غفل قليلا عن أخباره حتى صارت نسيا منسيا. لقد كان في جعبته الكثير الكثير فهو خبير بكل مغالق التاريخ وزواياه البعيدة الحادة’ تيغمرين ن ؤمزروي” فلم يسجلها. لقد اغتر ربما بذروة التجارة فغرق في حساباته الصغيرة وكنانيشه المختصرة ونسي أن الدنيا دوما إلى زوال فهي منذ قرأنا عنها على ذلك المنوال. او لعله سجلها وصارت تسجيلاته لا تكلم الناس إلا رمزا.سنرى ذلك!

تقترح هذه الشخصية على شاعرنا أن تجلس في طريق رحلتها جلسة استراحة. لابد من وقفة. هذا ما عليه جمهور المفكرين اليوم. وقفة تجديد النظرة. حان وقت التمحيص والتخفف من الأثقال” ئس أك ئملا ئژري نون ما ن زريخ”.  لابد إذن أن هناك عناء متعبا من هذه الرحلة الشيقة، رحلة التاريخ وهو يجثم على الأنفاس فالشاعر يرى الرحلة صعودا إلى قمة تل” أفا ن ئغير” ولا نرى إلا أن العناء قد أجلسه او أجلسهما قبل أن يطلا على مدينة كبيرة مرقمة الأبواب، بارزة المنافذ، عالية الأبراج تلتحف من تجارتها بأثواب الأناقة وتغتني من أحمال قوافلها بما تحمل الفرس والناقة. يقول المؤرخ: انظر. والشاعر يقول: أشعر.  الأول يَراها والثاني يُراها. إن الأخباري في الماضي يرى كل ما يراه في مروياته وبعينه التي كانت لتكون عين التاريخ. أما شاعرنا فهو من شعبها الذي ليس هناك من هو أدرى منه بشعابها. إنه ابن المكان و الزمان. الشاعر لا يرى حتى عندما يدفع ببصره بعيدا” توݣوݣت”  إلا ذكرى تلهب المشاعر وتصير شاعرا من ليس بشاعر. يرى أطلالا يذرف لها  ينبوع الدموع وأکواما من حجارة وطوب يقال لها اليوم: هذا  تاريخنا. هنا يختفي المؤرخ” زون ت يوسي كرا”  فجأة كأنه محدود. يختفي الرحالة الجمال وتتناسل الأسئلة لتصنع القلق المرعب. القلق الذي يجلس المرء على قمة ربوة. إذا اجتازها  توارى وإذا أحجم لم يكد يرى والصعود إليها عناء. يترك المسؤول عن الإخبار رسالة ويعجز الشاعر وشعبه عن قراءتها و المسك بالتاريخ ويفتقد المؤرخ” نݣامي ت”. هل استعمل ضمير النحنية هنا عبثا؟  أم أن هناك شعبا يتكلم بالفعل بضمير المتكلم الجمع ويقول: نفتقد إلى أخباريينا؟ تتبخر شخصية مؤرخ الماضي كما يتبخر ابطال الروايات التي يعبر الروائيون بموتهم عن فواجع كثيرة ومنها فواجع التاريخ. إن التاريخ يقول. أين من يطلب ودي ويرغب في كتابتي: ألا ينفق شيئا على غير الحفظ والرواية. ألا ينفق على فيزياء المادة وكيميائها وكهرباء الحياة وطبقات الكوكب شيئا مما ينفقه على البهلوانات بسخاء. يلتفت الشاعر إلى الرسالة فيجدها خطا يقرأ بكاء كأنه حبر من دم ساخن كتب به على جلد غزال صغير كان يعشق الركض والحرية. أخذ الظبي من الحياة عنوة وقتل وجلد وسلخ في أرضه وشعابه ليكتب على ظهره رمز التاريخ المبهم. كتابتنا أليمة ولكنها جميلة. قليل من الحروف وقليل من الكشوف وكثير من المشاعر. فليغطس القارئ في السيميائيات لو أراد صيد الفوائد. ليغضب قليلا إن سمع أن بعض تاريخه قصة مدينة تزول عن آخرها بغضبة رجال أشاوس يغضبون للقليل ويفنون الكثير. قصة فتاة وابيها وقصة جيوش جرارة لم تبق ولم تذر. تكتب الكرامة بالدم . هل كان ذلك تفسيرا للتاريخ وهل كانت قصة أمنصاݣ نوعا من الاخبار التي يمكن الوثوق بها. إن الشاعر لا يفهم وكيف يفهم ما ليس بمفهوم. المؤرخ في غيبته وحجة الغائب معه” نرورا ت سول س واݣنس ؤوجبير” يرفض الشاعر قصاصة لا توضح وتسجيلا لا يفصح. ومع ذلك فرواية المؤرخ دخان كانت وراءه نار طال عليها الامد فخمدت. هناك رواية جماعية تزكي الذكرى الجميلة. ذكرى حضارة المدن الفيديرالية والمراكز العامرة والاسواق المكتظة والتجارة الزاهرة و الطرق المتصلة والمعادن النفيسة التي ربطت الشرق المغربي بأرض السودان وربطت طرف القارة الغربي الذهبية بطرفها الاخر الشرقي” تيسبيكين ن سودان”. يملأ صخب الرواية الآذان نيابة عن تحقيق المؤرخ المختفي ونيابة عن التسجيل المنقطع المضطرب. في الهمس” تغلاغال” يسمع الشاعر:  نعم لقد كانت هذه الأكوام من الحجارة والطوب أسوارا وقصورا عالية. كانت دور سكة و محلات باذخة وفوق ذلك مما يجمل ولا يفصل.  يقرأ الشاعر على جلود الغزلان فيبكي ويسمع من هذا  الهمس فيبكي ومعه يستعيد مشاعر الحنين كل ما ومن بالمكان. ويزيد من حدة البكاء ونبرته أن رفيقه المختفي قد يتأخر فيشق على شاعرنا ان يواصل بلا بوصلة وان يعود بلا حصيلة. لقد حصل ما حصل وأكثر ما حصل إيلاما أننا قد نظل الطريق بأية طريقة” أر نتيكصاض سلاغ نك أد جلوخ” ذلك لأن ضياع التاريخ هو قبل ذلك كله  تضييع. لقد طلب المؤرخ بلغة الشاعر أن يكون مع صاحبه ” لعوين” في السطر الأول أي مؤونة السفر لمثل هذه الرحلة. العدة هي علوم المادة الدقيقة التي تعالج طبقات الارض وما فيها و معلوميات هائلة ترتب وتحلل واهتمام جامعي واسع بالمعرفة واستعداد نقدي وذهن منفتح وشغف شبابي يقتطع من اوقات التفاهة وعناية بالنسخ والكتابة وإدمان الأسئلة ونفقات مهمة.ذلك كله لا يكتب على جلد غزال صغير. بغير ذلك لا استعداد حقيقيا لتجديد كتابة التاريخ والبحث في الذات. بغير ذلك لن يستمر سوى نزيف الغزلان في سبيل التسجيل المؤلم الغامض الذي لا يبقى منه سوى نتف.  كرامة فتيات قليلات يفني والدهن مدينة لأجلهن بمكاسب تنالها جيوش الغدر او بأيدي الأحلاف العسكرية القبلية العمياء او بموت بعيد للتجارة الصحراوية الأفريقية او لأسباب أخرى لا نعلمها انتهت مدينة تامدولت ن واقا وصارت قبورا قليلة هنا وهناك تنهش أحيانا كأن نهشها ثأر من ورثها  منها، وقصص عن أولياء صالحين مسلمين ويهود, وأسوار تشكو الهجر. بينما يحاول التاريخ ان ينهض يجد الشعر هنا فرصة فيستبق ويواكب تلك المساعي. لقد بدأ الشعر الأمازيغي يجد مهندسيه ومادته ولغته. وزن القصيدة الجيدة جزء من عائلة شعرية يقودها وزن سيدي حمو الشهير ونطلق عليه اختصارا وزن دلال العشري.

أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ

داود السوسيمؤلف

Avatar for داود السوسي

شاعر وباحث في الشعر الأمازيغي. _ شارك في الديوان الثلاثي "تاجا ن ئكَزار" ثم الديوان الجماعي "أوال ئدران". _ صدر له كتاب "أسقّول: في الشعر الأمازيغي ب سوس وعروضه". _ كتب مجموعة من القصائد لبعض الفنانين والمجموعات الفنية، منهم الفنان حسن الوردي، مجموعة ئزماون، واخرون.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *