وقفة مع قصيدة "تِغْرْسي ن شِّيخ" للشاعر محمد مستاوي
قبل الخوض في أبيات هذه القصيدة لا بد أن نقف وقفة مع كلمات العنوان (تيغرسي ن شيخ ) تيغرسي ن شيخ معناها زيارة ضريح لولي صالح وتقديم القربان له، من أجل أن يبارك لك الولي شِعرك وتنقاد لك الكلمات ،فهذه الفكرة منتشرة وشائعة بين الشعراء الأمازيغ القدماء فأغلبيتهم يرون أنه لايمكن للشخص أن يكون شاعرا وتنقاد له الكلمات الموزونة بدون زيارة ضريح لولي صالح (شيخ)، بل لا يرون أنه بإمكان أحد أن يكون شاعرا بدون زيارة ضريح لولي صالح يبيت فيه ماشاء أويقدم له قربانا (تيغرسي)،
ويتجلى ذلك في كثير من أشعارهم مثل قول أحدهم مفتخرا بشيخه :
سيدي الحاج ءاغاد ن تزور ئتنضامين
وقال آخر مخاطبا الشعراء الاخرين ومذكرا إياهم أن قربان الشيخ يجب أن يكون شيئا (ثمينا ) فقال:
ءور يلي نظم سوكجوض ءامات ئس ئران
ءولله ءابلا بوييد نيغ كمي ءاتْمْلالِينْ
أي لا يمكن أن تكون شاعرا حاذقا وتنقاد لك الكلمات إذا قدمت شيئا زهيدا للولي او الشيخ مثل (أكجوض) = ديك بل لابد ان تقدم شيئا أغلى وأكبر من ذلك كـ ( بويد ـ تملالين)= كبش كبير أو خرووف مزوق جمييل
وهكذا كان الشعراء يتفاخرون بشيوخهم .
ومن طرائف أحدهم أنه زار وليا بات في ضريحه وقدم له قربانا عبارة عن ديك و لما أراد أن ينضم شعرا في أسايس لم يتلقى أي إلهام أو مساعدة من شيخه فنظم قائلا:
سيدي بورجا حاضرد نيغ ترات أفلوس
يطلب من شيخه الحضور أو يرد له قربانه وهلم جرا من القصص والأشعار التي تدل على أن كثير من الشعراء القدماء يومنون إيمانا قويا بالشيوخ والاولياء في الشعر والنظم .
ولا يستسيغون شخصا ينظم شعرا بدون شيخ بل يعتبرونه الحلقة الأضعف بين الشعراء وتسهل غلبتُه إذ أنه لم يستند لأي ولي يبارك له شعره .
ونجد نظير هذه الفكرة حتى عند شعراء العرب الذين يفتخرون ويقِرّون بأن الجن هو من يعلمهم الشعر قال امرؤ القيس :
تخيرني الجن أشعارها
فما شئت من شعرهن اصطفيت
بل بررو عبقرية الشعراء بقرين من الجن حتى ذكرو لكل شاعر قرين.
قال أحدهم :
إني وكل شاعر من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
وعلى هذه الفكرة وهذا الادعاء ثار الأستاذ والشاعر الكبير محمد المستاوي في قصيدته( تِغْرْسي ن شّيخ) من ديونه (ئسكراف 1976) والتي يقول في مطلعها :
ناني غرس ئراداون ئسمغي واوال
شيخ ئنو ءورين ئدامن نتان ئس ئسول
ئخفاد ئنو ءايد غ ئكاور ءاريس نتاناي
ئس ءور ئخشين ءان نغرس نفلتين ئيان
ئكان ئخسان نيري كيسن ءاياكا ءاوال
دوعا ءادران لقيبور نيغ ءاوا سلكات
يقولون لي لابد ان تقدم قربانا للشيخ ليبارك لك اشعارك فقلت لهم ان شيخي لايقبل الذبائح لانه مايزال حيا وهو موجود داخل رأسي يبارك لي اشعاري وهو بذلك يقصد عقله الذي يميز به ما يتفوه به وما ينظم من الأشعار
واضاف قائلا بأن الميت لايمكن ان يضيف لنا شيىا ولا ان يساعدنا بشيء بل هو الذي يحتاج من الاحياء الدعاء وليس الذبح عند قبره فهو لايستفيد منها شيئا.
ولكي نحرر مثل هذه الفكرة نحتاج إلى أن نعرف ماهية الشعر ؛الذي هو موهبة وهبها الله للشاعر كأي موهبة أخرى يمنحها الله للإنسان فإذا غذاها ونماها بالبُنى المعرفية اللازمة نضجت هذه الفكرة وولدت حساسية مفرطة عند الموهوب فأصبح ينطق بكلام متميز عطفا على قدراته الربانية من جهة والتنمية الذاتية للموهبة بالقراءات الشعرية .
• ذ- ابراهيم بوحستوتو
لا تعليق