نصب الخِياط.. في قصيدة “تاسمي” لمجموعة لبوشارت

4

نصب الخِياط
في قصيدة “تاسمي” لمجموعة لبوشارت

 

هذا أيها القارئ نص الجزء الأول من  قصيدة تاسمي التي أدتها مجموعة لبوشارت المنحدرة من الجنوب المغربي والتي تؤدي أغانيها باللغة الأمازيغية.

تاسمي ⵜⴰⵙⵙⵎⵉ

لبوشارت ⵍⴱⵓⵛⴰⵔⵜ

 أغاراس لان شروض نس أ والي را ت ئك

مناو أد كان اوي د لقلوم أ تن تارات

أ تنكرت زيك أ ك ئد ؤر ياف لحال ئفاو

تاسيت لعوين ئقادان تاسيت ؤلا أمان

طرمي تاسمي تاوادا رمين ت ئفالان

ئكامي ؤشريك أد ئنو أ ئنا كملن

تاونكيمت ن ضور أد ؤر تنت نقيس ئ يان

والي أنغ ئسيويدن كسين ئ تاسوتين

أينا ؤرونت تيغاطن ئش تن ئكوس أغ

ئسكاسن أ نكا غالخ ئس لكمن أيور

ئميل ئتران ن توزونت أ فلاس ئكان

ئزري أغ واطان ئدو سكرن مكلي ران

ملان ئ بنادم تيدي نس أ فلاس أوين

أد د أضون دار تكرزا كسين أر ئسيفيف

أ هان لعبرت ن طمزين كا مي سنخ لخير

أفاكو ن تاضوط ئغ ئنتل يان ئكافا ت

أكال أنغ ئسن أج أنغ ؤر أس نكي مان 

ئكنا لباز أ مي كان وينس ما تن ريخ

لاشك أنك أيها القارئ قد طالعت نص ما اجتزأته من هذه الأغنية. يسمى وزن هذا الجزء بالوزن الكبير ” اسيف مقورن” أو بالوزن الأحوزي ” أحوزي”. إنه أشهر وزن امازيغي للشعر الكلاسيكي في البيئة الجنوبية للملكة المغربية. هو وزن اثنا عشري المقاطع قيلت فيه معظم اشعار القوم. 

صيغة الوزن هي : 

لا لا لاي لا لا لا داي لا لا لا لا لال

طرمي تاسمي تاوادا رمين ت ئفالان

ويظهر ذلك من تقطيع أفضل سطر في القصيدة

طر/مي/تاس/مي/تا/وا/دار/مي/نت/تي/فا/لان

كل أسطر هذه القصيدة من النوع المستطاب المنضبط وزنا وأوتادا إذا ما استثنينا سطرا واحدا افتتح بمقطع “لاي” الثقيل وذلك لايكون في الوزن الاحوزي.

ئزري أغ واطان ئدو سكرن مكلي ران

ئز/ري/ياغ/وا/طا/ني/دوس/كر/نم/كل/لي/ران

لاي /لا/لاي/لا لا لا داي لا لا لا لا لال

لا يسيء هذا الاضطراب إلى القصيدة في شيء لأن كلماتها من النوع الذي لا يسيء إليه الوزن بل يتوجه بها وجهة الشعر الكامل.

يعرف هذا الوزن ظاهرة الإشباع القبلي ويقصد بها سقوط المقطع الأول من السطر بحيث تكون صيغته

لا لاي لا لا لا داي لا لا لا لا لال

ولم يرد في هذه القصيدة سطر مشبع قبليا فكل الأسطر المنضبطة تامة وصحيحة. 

يطلق اسم ” تاسمي” على الخِياط في لغتنا أي إبرة الخَيّاط التي بها يرتق طرفي ثوب به مزق بينما تطلق لغتنا على الخيوط ” ئفالان”. ذلك جمع لاسم مفرد هو ” ئفيلي” أو ” ئفيلو” ونحن قلنا ” نصب الخياط” لأن الشاعر قال حقا ان إبرنا في تعب ونصب. نصب الخياط بكسر الخاء ونصب الخيوط وبالتالي نصب الخياط رجل الخياطة أو امرأتها. يطلق على فعل النصب أي التعب في لغة الشمال الإفريقي فعل ” رمي” وهو الذي نراه في بداية السطر الجميل

طرمي تاسمي تاوادا رمين ت ئفالان

ذلك مجاز بعيد قيل فيه عن حركة الإبرة وهي تصل قطعة الثوب بقطعته الأخرى أنها مسيرة ” تاوادا” وعن حركة الوصل تلك ينتج عياء كبير فيا ترى هو عياء من ؟ 

الإبرة جسم دقيق من حديد يقود الخيوط التي تدخل في سمها إلى ثقوب الأثواب فهل يصيبها من ذلك النصب؟

 جواب ذلك في السطر التالي وهو لازمة تنبه السامع إلى أنها فحوى الرسالة.

ئكامي ئشيريك أد نخ أينا كملن 

يقول الشاعر أن ثوبنا قد مزق كل ممزق وكلما سعت الإبر في وصل رقعه قالت تلك المزق الكبيرة” ئشيريك” أنها كثيرة لا يرأب فتقها خياط ولا خيوط” ئكامي أينا كملن” 

فهل الباعث على هذا الشعور تأفف الحديد؟ كلا. 

هنا وعند جوابنا بالنفي نعود إلى بداية القصيدة حيث يدعونا الشاعر إلى السير قبل أن يشبه لنا المسيرة بمسارات الإبر. يقول أن السير مشروط ” اغاراس لان شروض” يقصد بالطريق” أغاراس” الدرب والوجهة. واضح اذن أن هناك جماعة لا تعرف بعد وجهتها ولم تخط بعد خطاها على دربها وقبل ذلك لا تعرف واجباتها ومحاذيرها وأولها أن لا تطلع الشمس على شخيرها وهي مستلقية هامدة. ألا تعلم أن برد الصباح يقطع به المسافات وحر النهار يديم عليها الآفات؟!

أ تنكرت زيك أ ك ئد ؤر ياف لحال ئفاو 

لقد كانت القرية تبكر إلى أعمالها نشيطة غير ممتعضة. متوثبة غير ناعسة.  تتناول الخبز باليد والمعول بالأخرى. تستلذ هذا وذاك. تشتم في خبزها رائحة أرضها فيكون ذلك إدامها. تسوق وتحرث. تجمع وتقلب. تغزل وتنسج وتمخض. تخبز وتعيش غبر عابئة بغنى الآخرين أو مواردهم المشبوهة. ما عند الآخرين ألاعيب ودلع وترف. لا يلبث أن يفسد الطبيعة. الشاعر هنا يذكر شعب القرية بشيء كان عندهم إلفا لا تنسونه. عادة الاستيقاظ والتيقظ قبل أن تنشأ في المدينة تيارات ” اليقظة والنهضة” 

هذه الدعوة الكريمة أس القصيدة. إن القصيدة تدعونا إلى أن ننهض وهي دعوة كريمة ستفلح إن شاء الله. هناك يوم مجهد ينتظرنا فلا نخرجن إليه خروج المسارع إلى الهلاك بل خروج المخطط الذي يحسب جوعاته ويعرف ما في دلائه ” تاسيت لعوين ئقادان تاسيت ؤلا أمان”.

بعد هذه العودة إلى رأس القصيدة نعرف الان في ما في قلبها وصدرها. إنه الاحساس بوجود الفوارق الغريبة غير المسبوقة بين قطعة الثوب التي توجد في جنوب البحر والتي توجد في شماله. قطعتان من التاريخ لم تستطع حركتنا رغم نصبنا وتعبنا أن تلحق الأولى بالثانية. نقول أننا سنلتحق بركب التقدم و نبيت على هذا الحلم الواعد لنصبح على شمس حارقة تنفذ زوالا إلى أكواخنا البائسة ونحن في تثاؤب وتماطل. لقد اكتشف الشاعر أرض التجارة الرائجة و مدن المداخن والنظافة. ورأى الفلاحة التي ترد جميل الماء واستأنس بالالات اللطيفة التي تفي للإنسان وفاء الكلاب. رأى حمرة البشر ونظرة السرور بعدما رأى طويلا حمرة الخجل.رأى قطعة شطرنج رياضاتية يلعبها متنافسون أذكياء ويحركون قطعها بالعقل والقانون .لقد فكر الان في الفرق بين الصحة والمرض و العلم والجهل وبين الدراية والرواية والعمل والبطالة. لقد حاول الجنوب أن يرى نفسه جزءا من ثوب تمزق لكن المزق يعالجها الخياط بسرعة. هذا خرق لا يعالجه شيء. كأنه فالق فصل الأرض التي كانت مساحة واحدة إلى هضبتين بفعل ضربة زلزالية في غلاف الصخر. 

نتج عن هذا الفتق قلق الفكر ” تاونكيمت”. لاحظ الشاعر أن هذا قلق من نوع خاص يحدث لأول مرة ” ضور أد” حيث تناظر الأنا غيرا قاسيا تطارده كالشهاب” فلا تلحقه حتى يوردها موارد الهلاك. تاونكيمت ن ضور أد ؤر تنت نقيس ئ يان”.

هنا وعندما يفكر الشاعر في ماهية هذه الفوارق الهائلة بين البلدان التي تركها وراءه تغط في نوم غائم بالكوابيس وبين البلدان التي قدم إليها ووجد على محياها وجه عرائس الحياة يتذكر بسرعة ما حدث لأن كل ما يحدث اليوم هو نتيجة الماضي. تلك القصاصة التي نحب أن نرويها بروية ونحن نستقبل أول ليل مظلم. لقد كنا قوما عزيزا فوقع علينا الهجوم وامتلأت جماعتنا ذعرا ” والي أنغ ئسيويدن” وحجر على قراراتنا ومذخراتنا” كسين” حتى استمرأ الغاصب ملك زمامنت وجمع خراجنا ” اينا ؤرونت تيغاطن ئش تن ئكوس أغ”. لقد ملأ عقولنا بالأوهام وعطل فيها الأفهام حتى رسب في وعينا أنه المتمكن في الأرض والقمر بالتقانة وهو في عجز ظاهر تغلبه الأقمار والنجوم. ذلك الهر المنتفخ خدعنا بأصول القطط الكبيرة. ” ئسكاسن أ نكا غالغ ئس لكمن ايور” 

هذا الشعور بعجز التاريخ عن الآفاق المفتوحة وهي مفتوحة يشعر بالانكسار والتأخر. يشعر الإنسان أنه مريض والناس أصحاء يرى تيجان الملوك على نواصيهم. فإذا جاء المرض الحقيقي أهلكه المرض وصار لقمته السائغة. يموت من المرض البسيط الطبيب نفسه قبل الفلاح والمعلم والسائق. تعجز حيل العشابين ويسمع الناس عن علوم تطرق أسماعهم لأول مرة وأمراض يظنون أنها اخترعت خصيصا لهم. كائنات دقيقة جدا تقرأ خرائط مورثاتها وتتابع بأجهزة وتقنيات لا تتعلم في العام والعامين. تنفق على علاجاتها ودراستها أموال اقتصادات الصناعة وتتحرك لها جماهير عالمة تنتظم في مؤسسات وجامعات تنفق لتتعلم وتربح كأنها لا تحس بأي شيء تجاه البشرية البائسة وهي  تنفق على أمراضها مال طعامها فتموت جوعا أو كمدا. 

لقد جاء الوباء من جديد وفجأة. كما جاء عدة مرات في كتب التاريخ وحصد أجدادا كثر . أدخلنا إلى البيوت وأبعد بعضنا عن بعض او زادنا بعدا  . وجدنا مرضى أو موتى فأشعرنا بمعنى آخر للمرض. أشعرنا بالحاجة إلى الغير في الطعام والدواء والكساء وبالمهانة والعجز. ذاك شيء كنا نشعر به مضاعفا في قرارات أنفسنا قبل أن يترجمه لنا باللغة الواضحة. لكن الوباء ذهب ولم يبق الا المرض القديم.” ئزري اغ واطان ئدو”  

يرى الشاعر أنه لا مكسب للقرية وشعبها سوى الوعي بالدرب. لقد كشف لنا المرض عن قاماتنا حتى لا تخدعنا ظلالنا ” ملان ئ بنادم تيدي نس أ فلاس أوين”. انت أيها الشعب لا تستطيع أن تنفق على علوم الوراثة مليارات الدولارات وذلك شيء لا يعيبك ولكن هل من المعقول أن تشتري حبوب القمح والشعير؟  قبل أن تراجع فواتير الحساب الذي ستؤديه ارجع إلى أرضك وافلحها وسدد منها ديونك. ستنتج هذه الأرض غلتها وتملأ سلتها. سيضعف المرض أمامنا بالتدريج. سيخف شعورنا بثقل التاريخ وقسوة الحياة وتخف الفاتورة.

عندما تأكل وتمشي غير عريان فأنت تستطيع أن تكتب الكرامة على جبينك. قد تقنع بالسير على الأرض التي تطعم خيراتها وتسقي أنهارها. قد ترافق الحيوان وتشرب من ألبانه وترتدي من صوفه. ذلك خير من العجز والكسل. هذا وإن كانت الأفواه الآكلة غير المنتجة تحتقره وتحدثنا بأخبار القمر والسماء والطائرات فهو بداية النظر إلى أفق السماء حقا. هو بداية رتق الفتق. أن تستيقظ باكرا وتنظر قليلا إلى انتمائك إلى هذه الأرض حتى تنظر هي إليك . هذه رسالة الشاعر لكنها بغير تدوينها تنسى ” مناو أد كان اوي د لقلوم أ تن تارات”. 
ذ. اسماعيل أبلق

اسماعيل أبلقمؤلف

Avatar for اسماعيل أبلق

ئلول غ تزنيت غ 15 شتنبر 1988، ئغرا غ تسداويت ابن زهر غ ؤكَادير، تاووري نس ئكَات ؤسّلمد، ئسهيمّا س ؤماركَ ن سوس د ؤفران نّس أر كَيس ئتّارا.

التعليقات معطلة